الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

189

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وورود ذلك في كثير من المندوبات بالخصوص حتى إنه ورد في زيارة سيّدنا الحسين عليه السلام والبكاء عليه ما ورد عليه من حبط السيئات وغفران الذنوب والخطيئات ولذا ما ورد في الصدقة والبكاء في جوف الليل وغيرها مع حمل الآية على العموم يلزم حمل الأمر بالمسارعة على الأعم من الوجوب والندب إذ لا معنى لوجوب المسارعة إلى المندوبات وكذا الحال في الواجبات الموسعة فلا دلالة فيها على وجوب الفور والقول بحمله على الوجوب والتزام التخصيص بالنسبة إلى المندوبات والموسعات نظرا إلى ترجيح التخصيص على المجاز مدفوع بأن التخصيص المذكور لا يترجح على المجاز وإن قلنا بترجيح التخصيص عليه في الجملة لكونه من قبيل التخصيص بالأكثر لوضوح كون المستحبات أضعاف الواجبات مضافا إلى أن استعمال الأمر في الندب أو الأعم منه والوجوب أمر شائع في الاستعمالات وليس أبعد في فهم العرف من التخصيص حتى يترجح التخصيص عليه في أوامر الشريعة ولذا ذهب بعضهم إلى ذلك مستدلا بهاتين الآيتين وغيرها كيف ولو دل عليها الصيغة لم يكن حاجة إلى بيانها إذ ليس بيان مفاد الألفاظ العرفية واللغوية من وظيفة الشارع ولو كانت مسبوقة لذلك لكان تأكيدا لما يفيده اللفظ والتأسيس أولى منه قوله ومنها قوله تعالى فاستبقوا الخيرات يرد على هذه الآية أيضا أمور منها ما أشرنا إليه في الآية السابقة من عدم دلالتها على إفادة الصيغة للفور ومنها نظير ما مر في الآية المتقدمة أيضا فإن الخيرات جمع محلى يفيد العموم وهي شاملة للواجبات والمندوبات إلى آخر ما ذكرنا ومنها أن مفاد الاستباق هو مسابقة البعض لآخر في أداء الخيرات والتسابق عليها دون مطلق الإسراع إلى الفعل ليراد به الفور فلا يوافق المدعى ولا بد إذن من حملها على الندب إذ لا قائل بوجوب المسابقة على الطاعات على الوجه المذكور وقد يذب عنه بأنه لما كان ظاهر الآية الوجوب ولم يكن الاستباق على الوجه المذكور واجبا قطعا فيصير ذلك بحمل الاستباق على مطلق المسارعة وهو كما ترى قوله فإنهما يتصوران في الموسع دون المضيق لا يخفى أنه قد يؤخذ الزمان في الفعل على وجه لا يتصور الإتيان بذلك الفعل في غير ذلك الزمان كما في صم يوم الجمعة إذ لا يعقل إيقاع ذلك الواجب في غير ذلك وقد يؤخذ الزمان شرطا لصحة إيقاع الفعل من غير أن يؤخذ مقوما لمفهومه فيمكن تأخر الفعل عن ذلك الزمان إلا أنه لا يتصف بالصحة وقد يكون إيقاعه فيه واجبا ويكون التأخير عنه حراما إلا أنه لا يفوت الواجب بفوات ذلك الوقت فيكون نفس الفعل واجبا مطلقا وخص وجعل إيقاعه في ذلك الوقت واجبا وقد يكون على وجه الرجحان وقد لا يكون خصوص الزمان مأخوذا فيه فيتساوى نسبته إلى الأزمنة وما لا يتحقق فيه المسارعة والاستباق إنما هو القسم الأول خاصة وأما الأقسام الأربعة الباقية فلا مانع من صدق المسارعة بالنسبة إليها وإن وجب الإقدام على الفعل حينئذ ولم يجز التأخير عنه في الصورتين الأوليين منها بل لم يصح مع التأخير في الأولى منها ألا ترى أنه يصح أن يقال إنه سارع إلى الحج إذا حج في السنة الأولى من وجوبه عليه ويقال إنه سارع إلى أداء دينه إذا أداه في وقت حلوله عليه مع مطالبة الديان بل يقال إنه سارع إلى أداء الصلاة إذا أدّاها في الوقت المختص بها مع تضيقها كما في صلاة الكسوف مع كون زمان الآية بقدر الفعل فما قرره المجيب من المنافاة بين وجوب الفور وصدق المسارعة والاستباق فاسد جدا والاشتهار بالمثال المذكور بيّن الفساد لكونه من قبيل القسم الأول وهو غير محل الكلام قوله والحاصل إذ العرف قاض قد عرفت أن حكم العرف إنما هو في الصّورة الأولى كما قررناه وأما في غيرها فمن الظاهر بعد ملاحظة العرف صدق المسارعة والاستباق من غير إشكال كما في كلام الفاضل المحشي من تسليم ما ذكره المجيب بالنسبة إلى ما لا يصح فعله في الزمان المتراخي على ما ينبغي وإنما يتم ذلك في الصّورة المتقدمة قوله وإلا لكان مفاد الصيغة فيها منافيا لما يقتضيه المادة لا يخفى أنه لو سلم ما ذكره فإنما نسلم لو قلنا بدلالة نفس الأمر على وجود الفور وأما إذا قلنا باستفادة الفور من الآيتين المذكورتين فأي منافاة بين مفاد الصيغة والمادة إذ لولا الأمر المذكور صح تأخير الفعل وتعجيله بالنظر إلى الأمر المتعلق به وإنما يجب المسارعة والتعجيل من جهة الأمر المذكور فما يقتضيه المادة هو جواز تأخير الفعل في نفسه مع قطع النظر عن إيجاب الفور بالأمر المذكور وما يقتضيه الصيغة هو المنع منه بالأمر المذكور ولا منافاة بينها والحاصل أن هناك فرقا بين وجوب التعجيل مع قطع النظر عن الأمر بالتعجيل ووجوبه بهذا الأمر والمنافاة المدعاة لو تمت فإنما يتم في الصّورة الأولى خاصة والقول باعتبار جواز التأخير مطلقا في صدق المسارعة ممنوع بل فاسد جدّا كيف ولو كان كذلك لما أمكن إيجاب المسارعة عرفا في فعل من الأفعال وهو واضح الفساد قوله فتأمل إشارة إلى إيراد وجواب أما الأول فبأن ما ذكر إنما يتم لو أبقيت المادة على ظاهرها وأما لو أريد بها المسارعة إلى الامتثال فلا مانع من إرادة الوجوب من الصيغة فكما يندفع المنافاة بما ذكر كذا يندفع بما ذكرنا وأما الثاني فبأن ذلك غير مصحح للاستدلال لدوران الأمر إذن بين الوجهين وإنما يتم الاحتجاج على الثاني ولا مرجح له فبمجرد الاحتمال لا يتم الاستدلال ولا يبعد ترجيح الأول بأصالة عدم وجوب الفور كذا يستفاد من المصنف رحمه الله في الحاشية قلت في الفرق بين المسارعة والمبادرة بما ذكر تأمل قوله كل مخبر كالقائل ظاهر الاستدلال هو التمسك بالاستقراء فإن سائر الإخبارات والإنشاءات يراد بها الحال فكذا الأمر إلحاقا للمشكوك بالشائع الأغلب وأنت خبير بأنه إن أراد بكون كل خبر وإنشاء غير الأمر للحال أو الإخبار والإنشاء إنما يقعان في الحال فهو أمر ظاهر غني عن البيان وكذا الأمر فإن الطلب إنما يقع في الحال ولا كلام لأحد فيه وإن أراد بكونها للحال أن متعلق النسبة الخبرية أو الإنشائية فيها للحال فهو ممنوع كيف ونحو زيد